المعلم القاسي

يمر الأشخاص في العالم أجمع بمشاعر ومراحل مختلفة من الألم، وكل شخص منهم يعبر عنه بطريقته إما بالبكاء و الصراخ أو بالتذمر و الاستغاثة أو بالكتمان والعزلة.
نفسر الألم بطرقنا المختلفة ومايؤلمك قد لا يؤلمني إن أضرني ولكنني أشعر به جيدا، وما آلمني من صداع وفتق معصب رأسي قد يكون أهون عليك مما تمر به لكنك تقدر ما أمر به، فاختلافنا لا يؤدي بالضرورة إلى المقارنات التي أمقتها ولا أجد لها فائدة سوى في التنافس في القوة الخارقة التي يعتقد البشر أنهم يملكونها، وهنا يختلفون في اعتقاداتهم.

هل الألم مصدر قوة أم ضعف؟
يُشعر الألم في الأصل صاحبه بالهون والتعب والذلة والضعف والخوف، لذا يحرص المتألمون على ألا يظهروا ذلك الضعف أو الشكوى كثيرا، و يكتفون بالبوح لأشخاص محددين، والبعض يحول ذلك الضعف إلى دلالة على القوة تجعل من الألم أمرا مرغوبا أحيانا ومكروها أحيانا أخرى.
فالإنسان حين يضعف يكن هذا اعتراف بشري يصعب على أي شخص يمر بمعاناة أن يعترف به، فالأصل في جذر الإنسان وجيناته المقاومة حتى في وقت الإنهاك والاستسلام، لذلك هي شجاعة وقوة وإن نسميه باسمه الحقيقي يكن كذلك، بغض النظر عن المسمى، كيف نعترف به؟ هل إن وضعنا عصابة على أعيننا سنتقي شره؟ إن لعبنا معه قليلا هل سيخبو ويذهب بعيدا كما كانت أمهاتنا يروون لنا عن الألم؟

لعبة الاختباء هل هي مجرد لعبة؟
إن لعبة الاختباء التي نلعبها يوما ما لم تكن عبثا، أرتنا كم نحن قادرون على إيجاد المختبئ ولو كان في جحر عميق، فمهما غمضنا أعيننا عن الألم سيلاحقنا كالكابوس فمم نهرب؟
إن الإنكار مرحلة طبيعية في البداية لأي ألم قد يتعرض له أي شخص في حياته، ومدة الإنكار عليها ألا تأخذ وقتها طويلا، وعلينا أن نتنبه ألا نبتلع كثيرا من المسكنات والمهدئات، لئلا نفجع بآلام متفاقمة.
يلجأ الإنسان بغريزته الطبيعية إلى الهرب عند رؤية خطر ما فإن لم يجد مكانا يلجأ إليه، يبحث عن أي أمر يخفف من ألمه فإما يلجأ لملهيات، لمشتتات، لمهدئات معنوية تخفف من وطأة الأمر الجلل، فبقاء الإنسان على الأمر ذاته مشكلة كبرى، أن يغيب الإنسان عن واقع ألمه والتعامل معه كارثة، ومحاولة إيقاظ الشخص أحيانا تكون عديمة الفائدة إن لم تكن بوعي، والمحاولات البائسة في تحفيز شعور الذي يمر بوقت عصيب بالألم قد يكون هو الألم ذاته في وقت الألم، لأن الألم أحيانا يكن قد استفحل بعد أن ترك مهملا دون حل أو علاج.

كيف نتقبل ما هو غير مستساغ؟
إن الإحساس بالألم في علم الطب هو دليل على الحياة، فإن اختفى الشعور كبر الورم وأصبحت حياة المتألم في خطر، فالشعور ذاته رغم فداحته يحرك شيئا ما بداخل الإنسان، يغير من طريقة تعامله مع الأمور المسلمة، يغير من نظرته للأمور المعتاد عملها، يغير من طريقة تعامله مع نفسه، يطهرها من الأنا التي لا تتمحور إلا حولها وحول ما تريد، يزيدها شعورا بالضعفاء مثلها، يغير من النفس التي دائما ما تنفع ذاتها، فحين عجزت توكلت على قوة أكبر منها وأخرجت من داخلها الألم لعطاء ورحمة بالآخرين.

تغير الألم وأصبح دافع ومحفز ومحرك بدلا من أن يكن قوة أو ضعف، أصبح هذا الألم بعد تقبله هو لسان الذي أخرس منطقه، ويد الذي قطعت يده، وعكاز الذي قضت رجله نحبها، هذا فقط لأننا شعرنا به، عبرنا عنه، مددنا أيدينا لمن يتألمون، لم نكمم أفواههم عن الاستغاثة بل صرخنا معهم، لم نسخر ونضحك عليهم بل بكينا معهم، فعلنا الألم كي لا يبقى له ذاكرة أو مكان، و لئلا نكن نحن والألم سيان عليهم.

كيف نتكئ؟

الألم أحيانا بشراسته لا يجعلنا نراه، بل ينهش فينا حتى لا يبقى عظم ولا لحم إلا وأدركه، فنظل في دائرة مغلقة رغم تجاوزنا مرحلة الإنكار إلى التقبل، ومع ذلك يظل الشعور يتراود بين الحين والآخر، وفي هذه المرحلة تحديدا نحتاج إلى أن نتكئ لإيجاد الحل على عكس مايعتقده الجميع أننا تجاوزنا هذه المرحلة وتعايشنا معها، لذا نحتاج أن نتعلم كيف نتكئ؟!

يختلف الأشخاص فمنهم لا يطلب المساعدة بتاتا، و منهم من يضع جل ثقله على كاهل من يحب و منهم من يعتمد على ذاته ويطلب منها المساعدة، أيا يكن علينا أن نعلم كيف نتكئ؟ وعلى من؟ ومتى؟

طرق الأبواب المختلفة أحيانا يفتح نورا وأحيانا أخرى ليس هناك باب يطرق غير باب الصمد، ومع ذلك فإن لا لحظة تدوم ولا حال يدوم ولا شيء يدوم، الاستسلام لفكرة الزوال قد تطمئن القلوب والأجساد المتألمة، ثم إن الأشياء حتى أحيانا الاتكاء عليها هروب، كما أن دعم الأحبة والأصدقاء لا يكل ولا يمل لكنك قد تجده وقد لا تجده، وفي كلتا الحالتين أنت ليس أمامك سوى الإقرار بضعفك، والاستسلام لعجز قوتك، والتسليم والرضا التام، وليس من المجدي ألا تفعل لأن الألم كظل الشبح كلما قاومته ازداد ضراوة، فهو قاتل نعم وسفاح أيضا، لكنه يجردك يعلمك ويطهر روحك، إنه معلم قاس ورحيم.

ما عرفناه عن اللصوص


إن قطعت الكيك إلى النصف ثم إلى ثلاثة أربع ثم إلى الربع هل يتبقى منه شيء؟ إن قضمت قطعة فقط هل لن تشتهي أن تطلب المزيد؟ هل إن أُهدى إليك هذا الكيك اللذيذ لن تأخذه؟ ماذا لو استوليت عليه رغما عن صاحبه هل أنت لص أم جائع مسكين؟


حينما كنا أطفالا كنا نرى شخصيات اللصوص كما هي في أفلام الكرتون، أشخاص يأتون في الليل المظلم يرتدون الأسود متلثمون و مغطين وجهوهم خوفا من أن يكشفهم أحدا، يسطون على المنازل للحصول على المال و قليل من المجوهرات لا ينوون الإيذاء لكنهم سيئون.


حينما كبرنا قليلا تطور هؤلاء اللصوص وأصبحوا يتجولون في وضح النهار، ومع ذلك حريصون على أن يتسللوا للمنازل بهدوء والجميع يغطون في نوم عميق أو في أعمالهم والشوارع خالية من ضوضاء السيارات والبشر، ثم حينما استوى عودنا اختلف الأمر استطعنا أن نفرق، فاللصوص الذين اعتدناهم لصوصا لم يعودوا لصوص وهم فقط في خيالات ألعاب الفيديو وأن من كانوا يظهرون في ساعات معنية من النهار أو الليل قد قبضت عليهم الشرطة، و تخلص العالم من شرهم، و نعمنا بأمان تام، واعتقدنا في فترة ما أن اللصوص قد نفوا من العالم حتى إذا تقدم الزمان بنا ووصلنا إلى أرض غريبة يقال أنها “أرض الصالحون” نصفها مقعر وآخر محدب من جوانبها تغير الأمر

هذه الأرض هي أرض خيرة، الطيبيون يسكنوها فقط لا ترى فيها لصوصا و لا متوحشون ولا أشرار، أرض جرداء، بياضها كسوادها وليلها كنهارها وقليلها معدم، وكثيرها في كل بقعة، لا تهب عليها الرياح و لا الأمطار، يستزرعون الخضرة ويستخرجون منه الشوك، هوائها عليل وسمائها سديم.

“هذه الأرض مخصصة للأخيار فقط لا مكان لغيرهم عليها ولن يكون” هكذا كتب عليها، الكوكب يتسع لأمثالهم فقط، ولأنهم الخارقون طرقهم معبدة، وهم ليسوا مثل من كان عليه أن يخترق أسوارا حتى يجدوا ما يريدون، أو أن يختبئوا خلف عمود حتى يحققوا ما يريدون، هذا الكوكب الهلامي العجيب لا يستقبل إلا من ارتدى حلية الفضلاء، ونال حقه وفاض، وساد بمطرقة من حديد وحشيته الصادقة، وفضائله العليا باسم برئ منه، واعتلى على أفواه ملأى، لا يفرغ أبدا بل يتسع، يستقبل الجميع عدا من لا يحمل ثقل قوله ورجاحة فكره و انتفاء إنسانيته، هذا المكان ليس للأشباه بل هو الأصل لما نفي في الماضي، ومواكبة تطور الحاضر، وحرمة وانتهاك للمستقبل.


تحمل أشكال وأحجام وألوان هذه الأرض مسميات ذات دلائل وثوابت متغيرة ترشد إلى تحوير الحقيقة وتزييفها وتكهنها، فأداتها الحادة لم تأتي بعد لاقتطاعنا نحن، ولئلا يأتي على كل شيء دعونا نحن لندافع عن هذه الأداة (أداة الدفاع عن النفس)


إن القوة التي نقطع ونجزم بها أننا بريئون من الاقتطاع والانتهاك ونحمي بها ذواتنا هي ذاتها التي نوجه بها لكمات على وجوهنا لنبدو أكثر بشاعة وجبنا مع الزمن الذي أظهر غطاء القبيح، وإن كانت تلك القوة قد اقتلعتنا و قضت علينا جميعا دون استثناء ليس شخصا واحدا بل جميعا، الاستيقاظ الآن قد بات متأخرا و لا عودة سوى للرفات.

كيف نتعامل مع الآباء السامين؟

كيف تتعامل مع الآباء السامين الذين يشعرونك طوال الوقت بأنك مذنب وسيئا ودائما ما تقترف الأخطاء ولا تطيعهم، ومهما فعلت لن تنجح بتاتا لأنك لا تتبع حذوهم وتشعر بالاستنزاف لإرضائهم، تتلقى وابلا من إهمالهم وأنانيتهم وأنت المسؤول عن كل شيء، لن تسلم من الترهيب والتهديد وقد لا تسلم إن اشتد النقاش من قبضة أيديهم.


يحدث كل ذلك وأنت طفل ترى أنه اعتيادي وهو الأساس لأن الكبار هم يعلمون كل شيء صحيح إلى أن تصطدم بالواقع المر وحينها يزداد الأمر سوءا لأنك كبرت وعليك أن تعرف الجواب الذي لم تتساءل عنه في صغرك، فتبدأ بالتجاهل والإهمال تارة والانفعال والاعتراض والخضوع تارة أخرى وقد تفيد حينا وتخفق أحيانا كثيرة، ويظل السؤال العالق ماهو الوسط في الأمر بين حماية ذواتنا وطاعة آبائنا.


إليك بعض الأمور التي قد تساعدك على التعامل مع الآباء السامين :
١-ضع حدودا واضحة
من السهل تجاوز الحدود التي تضعها وفي المرة الأولى التي تتخذ فيها موقفا حازما لن يكن الأمر بسيطا لهذه الدرجة، بل قد تشعر أنك عرضت نفسك لخطر كبير، فتوقع هجوما مبررا، اعتراضا، توقع المزيد منهم لكن لا تتوقف لأنك بذلك تعلمهم بطريقة غير مباشرة أن هذا السلوك غير مقبول مع الاستعانة بشخص آخر في حال الضرورة لكن لا تتراجع.

٢-قنن الحديث والتواصل قدر الإمكان
قد يكون التواصل مفيدا أحيانا لكن تجنب الاحتكاك المباشر و الإجابات المطولة والمعلومات المفصلة لأنه قد يثير شجار أنت في غنى عنه، وليس عليك مشاركة كل شيء، فقول كلمات معينة مقتضبة تفيد في بعض الأحيان.

٣-لست مضطرا لفعل ما لا تريد
إن اتخاذك لقرار أن ماتمر به يكفي، وأنك لن تكون ضحية لأي شخص يحتاج لأن تعيد ثقتك نفسك بنفسك وتستعيد قوتك بنفسك من أجل أن تتخذ هذا القرار من موقع قوة وليس ضعف أو هجوم، وتعمل على الاعتماد على ذاتك وتحمل مسؤوليتها وتقويتها، ولأنها المرة الأولى التي تتخذ فيها قرارا بنفسك عليك أن تدرك أن ما تفعله لا علاقة له بما يقولونه عنك أو ينعتوك به،قل لا وحسب ليس عليك أن تشرح أو تبرر أو أقدم اعتذارات إلا إن اقترفت خطأ فادحا.


٤-الإسقاط
يسقط الآباء السامون دائمًا على أبنائهم ما لا يريدون الاعتراف به عن أنفسهم قد تكون أفضل شخص على هذه الأرض، ولكن الآباء السامين سيستمرون في محاولة لإقناعك بأنك سيء وفاشل ومهمل، المهم أنك تعرف ذاتك حتى لو لم يعرفوا هم ذلك أبدًا.

٥-ركز على ذاتك
ركز على ترتيب الفوضى التي بداخلك وليس على سلوك الشخص الذي يجعل حياتك جحيماً لا تركز على سلوكهم السلبي، وتعلم نقاط قوتك وضعفك فبذلك لن يستطيع أحد استخدامها ضدك، وقف بقوة مع نفسك لأن فكرة أن يرفضك أويكرهك أو يؤنب ضميرك مؤلمة فقد تجعلك تتجاهل الأمر وتستلم فقط لأنك لا تريد المشاكل وهذه هي المشكلة بحد ذاتها.


٦- الاستغلال العاطفي: لا تلهث وراء قبولهم وتقديرهم لك لأنك لن تحصل على أيا من ذلك إلا بشروطهم.

٧-وفر طاقتك
يتطلب التعامل مع الآباء السامين قدرًا هائلاً من الطاقة والحذر، لست مضطرًا للدخول في أي مشكلة لأن الأشخاص السامون يتعمدون عمل ذلك، فالصراع هو الطريقة الوحيدة التي يمكنهم من خلالها التواصل.

٨-أحط نفسك بالأشخاص الذين يشابهون قصتك، لأننا نولد أرواحا متشابهة فقد تجد حل مشكلتك أو مواساة من شخص عايش ذات التجربة باختلاف الظروف.
٩-اهتم بنفسك ثم اهتم بنفسك
تلبية احتياجاتك الجسدية والنفسية ومعاملة نفسك بلطف وتقبلك لمشاعرها السيئة الممزوجة بالغضب والحزن والإحباط يهون عليك مشقة الأمر.

قطعة ذهب

كيف تكسر العصا إلى نصفين ولا تكن عادلا فقد قسمتها بالتوازي وقصمت معها جزءًا من روحك المرهقة، وحملت معها عبء الجبال على كاهلك، ولا تدري إلى أين تأوي ولمن؟ لا تخف أنت لست وحدك في هذه الرحلة الشاقة، إن تعرضت روحك لانفصال في العقل والمبنى، لست وحدك! والوحدة تشق بالروح نحو الهاوية لست وحدك لكن ماذا عليك أن تفعل لترمم روحك وأنت تمر بتجربة عصيبة؟

لا إجابة قد تسكن قلبك وتطمئن إليها روحك غير أن الاستناد على كتف أحدهم يفيد كثيرا، فالبقاء بقرب من نحب يشعرنا بالأمان بعد مشاعر الخوف المتلاحقة وإن لم نعبر عنه، وعمل ما تأنس إليه أرواحنا قد ينسينا للحظات مايحوز على أدمغتنا كل يوم، و الركض واللهث قد لا يفيد إن لم نتقبل لحظات الضعف التي نمر بها، ووضع مضخات الإنقاذ في اللحظة الأخيرة لأنفسنا قد تعيق التنفس إن لم نبدأ بأنفاسنا قبل الآخرين، والضحك والبكاء في وقت واحد لا بأس به.

ليس عليك أن تتعلم أو أن تتغلب على أحدهم أو أن تنضج، ليس عليك فعل أي شيء بل لا تفعل شيء سوى أن تجعل مشاعر الألم تنزف وتتضمد حتى تلتئم وتتعافى، خذ الوقت الكافي للاستسلام لكن لا تهجر روحك ازرع كل يوم بذرة صغيرة تحبها اختر ما تريد، اعتن بنفسك، اعتن بنفسك، اعتن بنفسك، وستعود وتنهض لكن لا تعجل ولا تقفز الخطوات، عد صغيرا لحضن أمك لا بأس، عد وحيدا كما كنت جنينا في بطنها لا بأس، عد ولا تفكر سامح نفسك فخالقك يعفو عنك إن أذنبت وعدت إليه والله يحب النفس التي تعفو عن البشر فهلا سامحت نفسك تلطفا بها، ألا تستحق؟!

بلى، إن اللوم وتأنيب الضمير يزيد الروح غشاوة بل هو من أسوء المشاعر التي تغرق الروح في متاهات عميقة، لذا حافظ على عقلك ولا تشتته بأفكار من الآخرين يشعرونك بسوء كسرك أوعدم خروجك سريعا من هذه الدائرة. أنت كما أنت جميلا تبدو كفن القطع المكسورة تترمم بالذهب لتخرج بأبهى حلة.

البلدة المعزولة

ماذا لو كان السقم والاعتلال هو الطبيعي؟ ماذا لو كانت اليد أو الرجل المكسورة هي العافية؟ وماذا لو كانت الرؤيا بعين واحدة هو الصواب؟ والإنصات بأذن تسمع وأخرى لا هو السائد؟ وماذا لو كان هذا كله في قرية واحدة بل في مدينة كاملة وكانت هذه حكايتهم الغريبة التي تتداول عنهم، في مجالس القرى الأخرى وفي محيط العالم “إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يتمتعون بصحة تامة”.

وهم على الطرف الآخر يرون، يسمعون ويعقلون بل ويتمتعون بكامل قواهم الجسدية والعقلية، غير أنهم فعلا يصابون أحيانا بالصمم من صوت محلق في الجو، يعمون أعينهم عن رؤية وابل أسود ملقى عليهم من حولهم، ويعرجون على الأرض حتى لا يخنق أفئدتهم دخان متسرب من الأرض المجاورة، يحمون أنفسهم بأي طريقة وتلك هي ذاتها التي يعتاد على فعلها العالم المجاور.

يطلقون الوابل كل صباح حتى لا يقرب منهم أحد في المساء، ويحلقون جوا حتى يصلون مبكرا لعملهم، وترتفع أشرعة السفينة وبخار المصانع ليتاجروا في الصيد والذهب، وهذه هي حياتهم الطبيعية لا حياة السقم التي تعيشها البلدة الأخرى كما يجري على ألسنة الجميع.

فالبلدة المعزولة لم تعد ذات فائدة وأفرادها كذلك، غير أن سقمها يزداد سوءا ويلوث العالم!لذلك اجتمع أسياد العالم كلهم وقرروا إبادتها، وفي اليوم الموعود نالوا حظ هجوم سرب من الغربان عليهم ينقلهم فرادى إلى الطرف المشؤوم وكانت المفاجأة أنه العالم السعيد الذي لم يناله الأصحاء!

الجيبسوفيلا

هل قدم أحدهم لك كوب قهوة دون أن تطلب؟ هل ابتسم أحدهم في وجهك لأنه بشر بخبر سعيد؟ هل شاركك أحدهم قصة تشبهك أو كلمات تواسيك دون علمه بحالك؟
نحتاج إلى أشكال اللطف المتعددة لتهون علينا مسيرتنا في الحياة، نحتاج إلى الحياة الرحبة كما أنها تتعسر فالمنفذ أحيانا هي كلمة، موقف، فعل وقد تكون في أبسطها رسالة في كلمتين.
أنعت دائما باللطيفة من أشخاص غرباء لا أعرفهم ومن المقربين جدا، وعلى الرغم من أنه ثناء إلا أني كنت أمقته، لأنني لا أقدمه لذاتي بذات الطريقة التي أفعلها من أجل الآخرين، فأنا أعلم كيف أقدمه وفي الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة ولكل شخصية طريقة في إسداء اللطف، وهذا لايكون إلا لأشخاص محددين !
إن اللطف والعناية بأنفسنا هي أحد أولويات الحياة الضرورية كالأكل والشرب، فكما اعتدنا أن نكون جيدين مع الآخرين، لنرحب بأنفسنا ونترك لها ذكرى لطيفة عند نهاية كل يوم كشراب الشوكولاته الدافئ أو عصير ليمون مثلج أو وجبة عشاء لذيذة وإن تعذر ذلك نفسا عميقا ثلاث مرات ولتحظى بنوم هانئ يرافقك لطف الرحيم وعنايته.

إلى من تعسرت عليه الطرق، وغادره النوم الليلة رغما عنه، أهديك زهرة الجيبسوفيلا وليلة هانئة 💚🌿

المهمة المستحيلة

أجد صعوبة في الاستمرار لليوم الرابع على التوالي في الكتابة، فالالتزام صفة متأصلة في شخصيتي منذ صغري إلى ماقبل السنتين، بدأت أشعر أن الالتزام قيد وبدأت أخرج قليلا عنه ومع ذلك لازلت ألتزم، تبلورت شخصيتي بشكل آخر فأصبحت الأمور التي لا أضعها تحت إطار معين وفي وقت معين أقوم بها دون أي وصفة معدة سابقا واكتشفت أنني كلما ابتعدت عن دائرة الالتزام أعود في حدودها، فإن انقطعت عن عادة معينة أعود إليها بمرونة وأستمر بالطريقة التي تلائمني، وهذا مايطمئنني ولكن في الوقت ذاته أفتقده حقا، أحيانا عندما يطرأ على شخصياتنا تغيير نتمسك بما كنا عليه قد يكون لأننا نعتقد أننا كنا أفضل بدون ذلك التغيير.

ينشد الجميع الالتزام بل يقال أنها من سمات الناجح، الالتزام بالوقت والمهمة والكلمة وفي جميع الأمور، لكن ماذا لو أن النجاح لا يقتصر على الالتزام فقط!

أنا ملتزم بالوقت لكن مرض ابني أخرني عن الوصول مبكرا للعمل، أنا ملتزم بالمهمة لكن التغييرات التي حدثت على المشروع أعاقت تسليمها، أنا ملتزم بالرياضة لكن جسدي الثقيل المرهق اليوم عاجز عن أداءها، أنا ملتزم بقراءة صفحة كل يوم عدا هذا الأسبوع. ما المشكلة؟ هل ينقص حقا من شخصيتنا الكثير؟

إن الاتزان والتوازن ليس في الضغط على دواسة السرعة للوصول بأقصى بسرعة ممكنة، بل في الاقتداء بالعدائين المصابين يسعون للمحافظة على طاقتهم وجهدهم يسرعون في مراحل ويبطئون في أخرى حتى يصلون ولا تكون هذه النهاية فقد لا يتقلد أحدهم المركز الأول ولا الثاني أو الثالث ومع ذلك يلتزم بالتدريبات قدر المستطاع ويعاود الكرة مرة وأخرى.

إن عدم الالتزام لا يعني التهاون والكسل، لو أن جميع الأضداد باللونين الأبيض والأسود لما كان الأصفر الفاقع هو الضوء الذي ينير، والأخضر القاتم هو المرج المستراح والأزرق ملاذ محبي السماء والبرتقالي دفء وطاقة.

لذا تقلدت الألوان وإن كنت مازلت أحبو وأتعثر لكني عثرت على قوس الطيف بعد هطول مطر التغيير.

الغَزْل الملون

في كل مرة يقص أحدهم قصته نعتقد أننا مختلفون عن هذه القصة أو لا تشبهنا وأحيانا تطابقنا قليلا، وفيما ندر تكون هي نحن تماما وكأنها حيكت من أجلنا ولها بداية وحبكة وعقدة مثل قصتنا، لكنها تختلف في النهاية فهي تسرد وتغلق بحبكة محكمة؛ أما نهايتنا مفتوحة تمدنا بالحيرة التي تتحول لحرية بعد سماع قصص الآخرين التي تشبه أرواحنا وتتعلق بنا ونتعلق بها حتى تصبح هي قصتنا المستقبلية وأملنا الوحيد.

تمر آلاف القصص على مسمعي يوميا وأحسب أني واحدة منها باختلاف الظروف التي تحيط بها إلا أن مايبهرني أن قصة في غرب الكرة الأرضية هي ذاتها حدثت في الشرق أو في الشمال أو الجنوب لا أعلم كيف ولكن البشر هم مجموعة في شخص واحد، أتساءل ما الذي يجعلهم يتصارعون أو يخالف بعضهم البعض؟

إن التشابه في القصص نعمة تجعلنا نتكاتف ويشعر كل منا بالأمان تجاه الآخر وأما الاختلاف يعطينا مذاقا مختلفا للحياة غير المعروف والسائد منها، وفي كل مرة تحدث قصة تفتح لنا تجربة تكوين صداقة مميزة مع أحدهم في الطرف الآخر من العالم.

هل سمعتم ب كانت مصادفة عند لقاء شخص لا تعرفه يحمل ذات الفكرة التي تحملها وذات القصة أو المعاناة التي دفعتكما لعمل مشروع أو ترك أمر ما أو اكتساب عادة جديدة أو بناء عضلات أرواحكم من جديد أو عقد صداقة دائمة أو حب لا يفتر الجميع عن ذكره!

هل يعقل أن كل ذلك تحمله القصة؟ بلى وهذا ما يكنزه الأدب في نفوسنا، هو الحياة الواقعية التي نعيشها، نستقي منه ويستقي منا، فالقصة القصيرة التي تستغرق سنوات من أعمارنا اختزلت في أسطر، والرواية التاريخية حكت تاريخ من نفتقدهم آبائنا وأجدادنا وأما الخيالية منها تخفف من وطأة الحياة العسيرة بعض الشيء حتى نجدها يوما ما واقعا حيا متجددا.

إن قصص الآخرين هي حبل الوصل الوحيد الذي يبعد الوحدة ويقرب المسافات ويذلل العقبات ويفتح المسارات لمن هم على قارعة الانتظار، ويخلق جسرا ممتدا واحدا يمشي عليه الجميع، ويتبادلون فيما بينهم قصصا مختلفة، و عالما مختلفا، يقربهم من بعضهم تحت شعار واحد

(رغم الاختلاف فالقصة تجمعنا)!

شاركني قصتك في التعليقات فقد تكون أنت قصة أحدهم 💚🌿

حيرة معلقة

كم عدد الأفكار التي تتوارد على أذهاننا يوميا؟ وكم عدد الأفكار التي تدون فعليا؟ وهل على الأفكار أن تدون جميعها وأيها الأنسب للكتابة وأيها تحبس في الأذهان عبثا ثم تختفي دون أي سبب؟
إن أفكارنا ومشاعرنا أحيانا تختلط ببعضها البعض حتى نسكبها في قالب الكتابة، ثم نتبناها كرأي وقد تكون معتقدات أو نتاج تجاربنا الملموسة فنراها واقعنا وواقع الآخرين، وننشرها حتى نخفف من وطأتها على أكتافنا وأكتاف الآخرين، وكأن أفكار الكتابة حلقة واحدة تواصلية تفضي بالعالم للأمان الذي ينشده كل شخص أو لتبادل ثقافي معرفي يغير من النمط السائد لحياتنا الروتينية.


إن الرحلة من بذرة الفكرة إلى نضوجها تشبه مرحلة تكون الجنين إلى خروجه للحياة، تعاني الكثير حتى تعلن ذاتها للجميع، وتثبت صحتها من خطأها، وقدرتها على التغيير، وإحداث تأثير في العقل والروح، حينها تكون هي التي سادت هذا إن لم يسبقها قليلا من الاقتباس الذي يتفوق عليها بنقطة واحدة ولكنه يبرزها ويجعلها براقة متفردة ولامعة يصفق لها الجميع.
إن الأفكار تركض من ميدان لآخر فأي ميدان تقع فيه تصطاد منه سواء كانت فضفضة أم توعية أم من الفلسفة وتجارب الحياة أم تسلية ومتعة، وتنتقل لحقل آخر غير أنها تخيفنا عند انتقالها فهي لا تعود ملكا لأحد، وإن رعيتها حق الرعاية حتى تبدو متأنقة ولا تحصل على انتقاد، إن خوفنا من الانتقاد يكبر كلما كثرت أفكار الكتابة في رؤوسنا، وتراجعنا عن طرحها حتى تنضب ويسابقنا الآخرون لطرحها بسطحية ويحصلون على ثناءها وتظل النسخة الأصلية منها حبيسة عقولنا، وندور حينها في فلك التساؤل متى سنحصل على نجمة الشجاعة في طرح أفكارنا كما نشاء ونسابق الريح لنقول للفكرة اعتلي عرشك، وهل حقا سنحصل عليها إن فعلنا حقا؟
أدركت بعد فترة من هذا التساؤل أن الأفكار في أدمغتنا كالوقت تجري سريعا إن لم يقتنص منها واحدة للكتابة عنها وإلا ستكون كزبد البحر لا يعرف مداها وتقضي على كل شيء.


إن المعجزة ليست في أن تكون كاتبا للأفكار التي تهرول في دماغك أو الاستعانة بكل شيء من حولك لكتابة فكرة فريدة أو تجربة مختلفة بل جل الأمر هو في تقبل الاختلاف الذي يحدث خارجك وداخلك، وتقبل صراع أفكارك وتضاربها مع أفكار الآخرين، وانفتاحك على أفكار جديدة، وعدم طرحها جميعا في قالب واحد، فلكل منها وقتها الذي تتأهب فيه و تخرج من حيزها الضيق إلى نطاق واسع ممتد يضاف عليه أفكار أخرى من أشخاص آخرون وحينها تكون فكرة الجميع ليست فكرتك بل تأثير الفراشة الذي ابتدأ منك!

ضرب من الجنون

عادة ما نضرب مثلا بالطفل في دهشته للحياة وحبه وتسامحه للآخرين ولعبه وإصراره للحصول على مايريد رغم تعثره ونهوضه من جديد، ولكني أتساءل أين يذهب ذلك الطفل وفي أي عمر يتوقف كل هذا، وهل يتوقف فعلا؟ أنا أندهش حقا عندما أرى الطفل الصغير الذي بداخلي، فهو لا يكل ويمل عن الأسئلة البسيطة واللعب الدائم متى ما سنحت له الفرصة، ورؤية القمر حينما تلاحقه وهو في السيارة، والإشارة بإصبعه الصغير إلى الفراشات التي تحوم حول الأزهار في فصل الربيع، والمكوث ساعة أمام منظر غروب الشمس، وتداخل ألوان السحب، ويتسائل عن عدد الألوان وماهي ألوان الغروب ومتى ستمطر حتى يرى ألوان الطيف يسأل ويسأل حتى يستيقظ من دهشته ويرى كل ذلك محض خيال عابر أو واقع ملموس باليد فلم الدهشة أو حتى الاستغراب؟

أن أبدو سخيفا خير لي من أن أعدم ذلك الطفل المتمركز في داخلي، هو لا يتوقف عن البحث بين الحلويات ليتلذذ بالحلوى المفضلة له في صغره ولا عن اللعب بالتراب وتلطيخ ثيابه ليكون القلعة الكبيرة جدا ولا عن الحلم بأفضل دراجة نارية حتى يضحك من صوتها ويسابق السيارات، ولا عن البكاء في حضن أمه ما إن تتلقفه الحياة من كل جانب. إنني أحاول أن أعيد تشكيل ذلك الطفل الذي بداخلي وفقا لما تشتاق إليه روحي هذا ما أعتقده، ولكني رأيت بعد ذلك أنها طبيعة موجودة، طبيعة غير معقدة أو طرأ عليها تغيير قسري، تتبلور كقطرات الندى الصافية على أوراق الشجر في الصباح الباكر و تنمو غير آبهة بأي شيء.

تستهويني تلك الفطرة الطبيعية التي أراها في الأطفال بغض النظر عن طبيعية نشأة كل منا، وأرى في أدمغتهم المسير الطبيعي نحو ما يريدون دون تكلف، هو يرى الحياة ساحته، ملعبه، مرماه وكرته التي يلعب بها. إن فكرة العودة للطفولة قد لا تكون معقولة وقد تكون فكرة محاكاة بناء ذلك الطفل مستحيلة، لكني دأبت على أن أتبع مايفعلون، فقد أستعيد دمية الدب التي كنت أخاف منها وأصادقها اليوم أو قد أكور العجين لكن بعشوائية وألطخ وجهي بالدقيق أو ربما أقتسم من وقتي لأصر كالنحل على ما أريد حتى أحصل عليه أو…… لا أعلم أفكار كثيرة تراودني بعيدة عن النضج لكنها أقرب المكونات الأساسية لذلك النضج.

إن عودتي للجزء الخفي هو مثل اختبائي خلف الستارة عندما كنت ألعب الغميضة وتفضحني رجليّ وتخيب آمالي بعد أن كنت أعتقد ألا أحد سيعثر علي، هكذا هي التجربة في البداية وهي ممتعة ومضحكة، ولكنها في الوقت نفسه هي سقاء للجذور التي اختفت لسنوات، تجربة أن أكون أنا بدون عوامل التعرية التي قضت على كل شيء، بأن أقتسم حصة من نفسي لنفسي الطبيعية التي فطرت عليها، أن أعود لفتح فاهي وكأن كل شيء حدث لأول مرة ليس لأنني فقدت عقلي بل لأن روحي مجنونة شقية مستكشفة للجديد كالأطفال، لذا عقدت العزم على أن أصادق تلك الروح قبل أن تشيخ مبكرا، وأن استرجع حاسة الاستكشاف العجيبة التي قد تساعدني على تجديد الكولاجين في خلايا الروح الجديدة.