قطعة ذهب

كيف تكسر العصا إلى نصفين ولا تكن عادلا فقد قسمتها بالتوازي وقصمت معها جزءًا من روحك المرهقة، وحملت معها عبء الجبال على كاهلك، ولا تدري إلى أين تأوي ولمن؟ لا تخف أنت لست وحدك في هذه الرحلة الشاقة، إن تعرضت روحك لانفصال في العقل والمبنى، لست وحدك! والوحدة تشق بالروح نحو الهاوية لست وحدك لكن ماذا عليك أن تفعل لترمم روحك وأنت تمر بتجربة عصيبة؟

لا إجابة قد تسكن قلبك وتطمئن إليها روحك غير أن الاستناد على كتف أحدهم يفيد كثيرا، فالبقاء بقرب من نحب يشعرنا بالأمان بعد مشاعر الخوف المتلاحقة وإن لم نعبر عنه، وعمل ما تأنس إليه أرواحنا قد ينسينا للحظات مايحوز على أدمغتنا كل يوم، و الركض واللهث قد لا يفيد إن لم نتقبل لحظات الضعف التي نمر بها، ووضع مضخات الإنقاذ في اللحظة الأخيرة لأنفسنا قد تعيق التنفس إن لم نبدأ بأنفاسنا قبل الآخرين، والضحك والبكاء في وقت واحد لا بأس به.

ليس عليك أن تتعلم أو أن تتغلب على أحدهم أو أن تنضج، ليس عليك فعل أي شيء بل لا تفعل شيء سوى أن تجعل مشاعر الألم تنزف وتتضمد حتى تلتئم وتتعافى، خذ الوقت الكافي للاستسلام لكن لا تهجر روحك ازرع كل يوم بذرة صغيرة تحبها اختر ما تريد، اعتن بنفسك، اعتن بنفسك، اعتن بنفسك، وستعود وتنهض لكن لا تعجل ولا تقفز الخطوات، عد صغيرا لحضن أمك لا بأس، عد وحيدا كما كنت جنينا في بطنها لا بأس، عد ولا تفكر سامح نفسك فخالقك يعفو عنك إن أذنبت وعدت إليه والله يحب النفس التي تعفو عن البشر فهلا سامحت نفسك تلطفا بها، ألا تستحق؟!

بلى، إن اللوم وتأنيب الضمير يزيد الروح غشاوة بل هو من أسوء المشاعر التي تغرق الروح في متاهات عميقة، لذا حافظ على عقلك ولا تشتته بأفكار من الآخرين يشعرونك بسوء كسرك أوعدم خروجك سريعا من هذه الدائرة. أنت كما أنت جميلا تبدو كفن القطع المكسورة تترمم بالذهب لتخرج بأبهى حلة.

البلدة المعزولة

ماذا لو كان السقم والاعتلال هو الطبيعي؟ ماذا لو كانت اليد أو الرجل المكسورة هي العافية؟ وماذا لو كانت الرؤيا بعين واحدة هو الصواب؟ والإنصات بأذن تسمع وأخرى لا هو السائد؟ وماذا لو كان هذا كله في قرية واحدة بل في مدينة كاملة وكانت هذه حكايتهم الغريبة التي تتداول عنهم، في مجالس القرى الأخرى وفي محيط العالم “إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يتمتعون بصحة تامة”.

وهم على الطرف الآخر يرون، يسمعون ويعقلون بل ويتمتعون بكامل قواهم الجسدية والعقلية، غير أنهم فعلا يصابون أحيانا بالصمم من صوت محلق في الجو، يعمون أعينهم عن رؤية وابل أسود ملقى عليهم من حولهم، ويعرجون على الأرض حتى لا يخنق أفئدتهم دخان متسرب من الأرض المجاورة، يحمون أنفسهم بأي طريقة وتلك هي ذاتها التي يعتاد على فعلها العالم المجاور.

يطلقون الوابل كل صباح حتى لا يقرب منهم أحد في المساء، ويحلقون جوا حتى يصلون مبكرا لعملهم، وترتفع أشرعة السفينة وبخار المصانع ليتاجروا في الصيد والذهب، وهذه هي حياتهم الطبيعية لا حياة السقم التي تعيشها البلدة الأخرى كما يجري على ألسنة الجميع.

فالبلدة المعزولة لم تعد ذات فائدة وأفرادها كذلك، غير أن سقمها يزداد سوءا ويلوث العالم!لذلك اجتمع أسياد العالم كلهم وقرروا إبادتها، وفي اليوم الموعود نالوا حظ هجوم سرب من الغربان عليهم ينقلهم فرادى إلى الطرف المشؤوم وكانت المفاجأة أنه العالم السعيد الذي لم يناله الأصحاء!

الجيبسوفيلا

هل قدم أحدهم لك كوب قهوة دون أن تطلب؟ هل ابتسم أحدهم في وجهك لأنه بشر بخبر سعيد؟ هل شاركك أحدهم قصة تشبهك أو كلمات تواسيك دون علمه بحالك؟
نحتاج إلى أشكال اللطف المتعددة لتهون علينا مسيرتنا في الحياة، نحتاج إلى الحياة الرحبة كما أنها تتعسر فالمنفذ أحيانا هي كلمة، موقف، فعل وقد تكون في أبسطها رسالة في كلمتين.
أنعت دائما باللطيفة من أشخاص غرباء لا أعرفهم ومن المقربين جدا، وعلى الرغم من أنه ثناء إلا أني كنت أمقته، لأنني لا أقدمه لذاتي بذات الطريقة التي أفعلها من أجل الآخرين، فأنا أعلم كيف أقدمه وفي الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة ولكل شخصية طريقة في إسداء اللطف، وهذا لايكون إلا لأشخاص محددين !
إن اللطف والعناية بأنفسنا هي أحد أولويات الحياة الضرورية كالأكل والشرب، فكما اعتدنا أن نكون جيدين مع الآخرين، لنرحب بأنفسنا ونترك لها ذكرى لطيفة عند نهاية كل يوم كشراب الشوكولاته الدافئ أو عصير ليمون مثلج أو وجبة عشاء لذيذة وإن تعذر ذلك نفسا عميقا ثلاث مرات ولتحظى بنوم هانئ يرافقك لطف الرحيم وعنايته.

إلى من تعسرت عليه الطرق، وغادره النوم الليلة رغما عنه، أهديك زهرة الجيبسوفيلا وليلة هانئة 💚🌿

المهمة المستحيلة

أجد صعوبة في الاستمرار لليوم الرابع على التوالي في الكتابة، فالالتزام صفة متأصلة في شخصيتي منذ صغري إلى ماقبل السنتين، بدأت أشعر أن الالتزام قيد وبدأت أخرج قليلا عنه ومع ذلك لازلت ألتزم، تبلورت شخصيتي بشكل آخر فأصبحت الأمور التي لا أضعها تحت إطار معين وفي وقت معين أقوم بها دون أي وصفة معدة سابقا واكتشفت أنني كلما ابتعدت عن دائرة الالتزام أعود في حدودها، فإن انقطعت عن عادة معينة أعود إليها بمرونة وأستمر بالطريقة التي تلائمني، وهذا مايطمئنني ولكن في الوقت ذاته أفتقده حقا، أحيانا عندما يطرأ على شخصياتنا تغيير نتمسك بما كنا عليه قد يكون لأننا نعتقد أننا كنا أفضل بدون ذلك التغيير.

ينشد الجميع الالتزام بل يقال أنها من سمات الناجح، الالتزام بالوقت والمهمة والكلمة وفي جميع الأمور، لكن ماذا لو أن النجاح لا يقتصر على الالتزام فقط!

أنا ملتزم بالوقت لكن مرض ابني أخرني عن الوصول مبكرا للعمل، أنا ملتزم بالمهمة لكن التغييرات التي حدثت على المشروع أعاقت تسليمها، أنا ملتزم بالرياضة لكن جسدي الثقيل المرهق اليوم عاجز عن أداءها، أنا ملتزم بقراءة صفحة كل يوم عدا هذا الأسبوع. ما المشكلة؟ هل ينقص حقا من شخصيتنا الكثير؟

إن الاتزان والتوازن ليس في الضغط على دواسة السرعة للوصول بأقصى بسرعة ممكنة، بل في الاقتداء بالعدائين المصابين يسعون للمحافظة على طاقتهم وجهدهم يسرعون في مراحل ويبطئون في أخرى حتى يصلون ولا تكون هذه النهاية فقد لا يتقلد أحدهم المركز الأول ولا الثاني أو الثالث ومع ذلك يلتزم بالتدريبات قدر المستطاع ويعاود الكرة مرة وأخرى.

إن عدم الالتزام لا يعني التهاون والكسل، لو أن جميع الأضداد باللونين الأبيض والأسود لما كان الأصفر الفاقع هو الضوء الذي ينير، والأخضر القاتم هو المرج المستراح والأزرق ملاذ محبي السماء والبرتقالي دفء وطاقة.

لذا تقلدت الألوان وإن كنت مازلت أحبو وأتعثر لكني عثرت على قوس الطيف بعد هطول مطر التغيير.

الغَزْل الملون

في كل مرة يقص أحدهم قصته نعتقد أننا مختلفون عن هذه القصة أو لا تشبهنا وأحيانا تطابقنا قليلا، وفيما ندر تكون هي نحن تماما وكأنها حيكت من أجلنا ولها بداية وحبكة وعقدة مثل قصتنا، لكنها تختلف في النهاية فهي تسرد وتغلق بحبكة محكمة؛ أما نهايتنا مفتوحة تمدنا بالحيرة التي تتحول لحرية بعد سماع قصص الآخرين التي تشبه أرواحنا وتتعلق بنا ونتعلق بها حتى تصبح هي قصتنا المستقبلية وأملنا الوحيد.

تمر آلاف القصص على مسمعي يوميا وأحسب أني واحدة منها باختلاف الظروف التي تحيط بها إلا أن مايبهرني أن قصة في غرب الكرة الأرضية هي ذاتها حدثت في الشرق أو في الشمال أو الجنوب لا أعلم كيف ولكن البشر هم مجموعة في شخص واحد، أتساءل ما الذي يجعلهم يتصارعون أو يخالف بعضهم البعض؟

إن التشابه في القصص نعمة تجعلنا نتكاتف ويشعر كل منا بالأمان تجاه الآخر وأما الاختلاف يعطينا مذاقا مختلفا للحياة غير المعروف والسائد منها، وفي كل مرة تحدث قصة تفتح لنا تجربة تكوين صداقة مميزة مع أحدهم في الطرف الآخر من العالم.

هل سمعتم ب كانت مصادفة عند لقاء شخص لا تعرفه يحمل ذات الفكرة التي تحملها وذات القصة أو المعاناة التي دفعتكما لعمل مشروع أو ترك أمر ما أو اكتساب عادة جديدة أو بناء عضلات أرواحكم من جديد أو عقد صداقة دائمة أو حب لا يفتر الجميع عن ذكره!

هل يعقل أن كل ذلك تحمله القصة؟ بلى وهذا ما يكنزه الأدب في نفوسنا، هو الحياة الواقعية التي نعيشها، نستقي منه ويستقي منا، فالقصة القصيرة التي تستغرق سنوات من أعمارنا اختزلت في أسطر، والرواية التاريخية حكت تاريخ من نفتقدهم آبائنا وأجدادنا وأما الخيالية منها تخفف من وطأة الحياة العسيرة بعض الشيء حتى نجدها يوما ما واقعا حيا متجددا.

إن قصص الآخرين هي حبل الوصل الوحيد الذي يبعد الوحدة ويقرب المسافات ويذلل العقبات ويفتح المسارات لمن هم على قارعة الانتظار، ويخلق جسرا ممتدا واحدا يمشي عليه الجميع، ويتبادلون فيما بينهم قصصا مختلفة، و عالما مختلفا، يقربهم من بعضهم تحت شعار واحد

(رغم الاختلاف فالقصة تجمعنا)!

شاركني قصتك في التعليقات فقد تكون أنت قصة أحدهم 💚🌿

حيرة معلقة

كم عدد الأفكار التي تتوارد على أذهاننا يوميا؟ وكم عدد الأفكار التي تدون فعليا؟ وهل على الأفكار أن تدون جميعها وأيها الأنسب للكتابة وأيها تحبس في الأذهان عبثا ثم تختفي دون أي سبب؟
إن أفكارنا ومشاعرنا أحيانا تختلط ببعضها البعض حتى نسكبها في قالب الكتابة، ثم نتبناها كرأي وقد تكون معتقدات أو نتاج تجاربنا الملموسة فنراها واقعنا وواقع الآخرين، وننشرها حتى نخفف من وطأتها على أكتافنا وأكتاف الآخرين، وكأن أفكار الكتابة حلقة واحدة تواصلية تفضي بالعالم للأمان الذي ينشده كل شخص أو لتبادل ثقافي معرفي يغير من النمط السائد لحياتنا الروتينية.


إن الرحلة من بذرة الفكرة إلى نضوجها تشبه مرحلة تكون الجنين إلى خروجه للحياة، تعاني الكثير حتى تعلن ذاتها للجميع، وتثبت صحتها من خطأها، وقدرتها على التغيير، وإحداث تأثير في العقل والروح، حينها تكون هي التي سادت هذا إن لم يسبقها قليلا من الاقتباس الذي يتفوق عليها بنقطة واحدة ولكنه يبرزها ويجعلها براقة متفردة ولامعة يصفق لها الجميع.
إن الأفكار تركض من ميدان لآخر فأي ميدان تقع فيه تصطاد منه سواء كانت فضفضة أم توعية أم من الفلسفة وتجارب الحياة أم تسلية ومتعة، وتنتقل لحقل آخر غير أنها تخيفنا عند انتقالها فهي لا تعود ملكا لأحد، وإن رعيتها حق الرعاية حتى تبدو متأنقة ولا تحصل على انتقاد، إن خوفنا من الانتقاد يكبر كلما كثرت أفكار الكتابة في رؤوسنا، وتراجعنا عن طرحها حتى تنضب ويسابقنا الآخرون لطرحها بسطحية ويحصلون على ثناءها وتظل النسخة الأصلية منها حبيسة عقولنا، وندور حينها في فلك التساؤل متى سنحصل على نجمة الشجاعة في طرح أفكارنا كما نشاء ونسابق الريح لنقول للفكرة اعتلي عرشك، وهل حقا سنحصل عليها إن فعلنا حقا؟
أدركت بعد فترة من هذا التساؤل أن الأفكار في أدمغتنا كالوقت تجري سريعا إن لم يقتنص منها واحدة للكتابة عنها وإلا ستكون كزبد البحر لا يعرف مداها وتقضي على كل شيء.


إن المعجزة ليست في أن تكون كاتبا للأفكار التي تهرول في دماغك أو الاستعانة بكل شيء من حولك لكتابة فكرة فريدة أو تجربة مختلفة بل جل الأمر هو في تقبل الاختلاف الذي يحدث خارجك وداخلك، وتقبل صراع أفكارك وتضاربها مع أفكار الآخرين، وانفتاحك على أفكار جديدة، وعدم طرحها جميعا في قالب واحد، فلكل منها وقتها الذي تتأهب فيه و تخرج من حيزها الضيق إلى نطاق واسع ممتد يضاف عليه أفكار أخرى من أشخاص آخرون وحينها تكون فكرة الجميع ليست فكرتك بل تأثير الفراشة الذي ابتدأ منك!

ضرب من الجنون

عادة ما نضرب مثلا بالطفل في دهشته للحياة وحبه وتسامحه للآخرين ولعبه وإصراره للحصول على مايريد رغم تعثره ونهوضه من جديد، ولكني أتساءل أين يذهب ذلك الطفل وفي أي عمر يتوقف كل هذا، وهل يتوقف فعلا؟ أنا أندهش حقا عندما أرى الطفل الصغير الذي بداخلي، فهو لا يكل ويمل عن الأسئلة البسيطة واللعب الدائم متى ما سنحت له الفرصة، ورؤية القمر حينما تلاحقه وهو في السيارة، والإشارة بإصبعه الصغير إلى الفراشات التي تحوم حول الأزهار في فصل الربيع، والمكوث ساعة أمام منظر غروب الشمس، وتداخل ألوان السحب، ويتسائل عن عدد الألوان وماهي ألوان الغروب ومتى ستمطر حتى يرى ألوان الطيف يسأل ويسأل حتى يستيقظ من دهشته ويرى كل ذلك محض خيال عابر أو واقع ملموس باليد فلم الدهشة أو حتى الاستغراب؟

أن أبدو سخيفا خير لي من أن أعدم ذلك الطفل المتمركز في داخلي، هو لا يتوقف عن البحث بين الحلويات ليتلذذ بالحلوى المفضلة له في صغره ولا عن اللعب بالتراب وتلطيخ ثيابه ليكون القلعة الكبيرة جدا ولا عن الحلم بأفضل دراجة نارية حتى يضحك من صوتها ويسابق السيارات، ولا عن البكاء في حضن أمه ما إن تتلقفه الحياة من كل جانب. إنني أحاول أن أعيد تشكيل ذلك الطفل الذي بداخلي وفقا لما تشتاق إليه روحي هذا ما أعتقده، ولكني رأيت بعد ذلك أنها طبيعة موجودة، طبيعة غير معقدة أو طرأ عليها تغيير قسري، تتبلور كقطرات الندى الصافية على أوراق الشجر في الصباح الباكر و تنمو غير آبهة بأي شيء.

تستهويني تلك الفطرة الطبيعية التي أراها في الأطفال بغض النظر عن طبيعية نشأة كل منا، وأرى في أدمغتهم المسير الطبيعي نحو ما يريدون دون تكلف، هو يرى الحياة ساحته، ملعبه، مرماه وكرته التي يلعب بها. إن فكرة العودة للطفولة قد لا تكون معقولة وقد تكون فكرة محاكاة بناء ذلك الطفل مستحيلة، لكني دأبت على أن أتبع مايفعلون، فقد أستعيد دمية الدب التي كنت أخاف منها وأصادقها اليوم أو قد أكور العجين لكن بعشوائية وألطخ وجهي بالدقيق أو ربما أقتسم من وقتي لأصر كالنحل على ما أريد حتى أحصل عليه أو…… لا أعلم أفكار كثيرة تراودني بعيدة عن النضج لكنها أقرب المكونات الأساسية لذلك النضج.

إن عودتي للجزء الخفي هو مثل اختبائي خلف الستارة عندما كنت ألعب الغميضة وتفضحني رجليّ وتخيب آمالي بعد أن كنت أعتقد ألا أحد سيعثر علي، هكذا هي التجربة في البداية وهي ممتعة ومضحكة، ولكنها في الوقت نفسه هي سقاء للجذور التي اختفت لسنوات، تجربة أن أكون أنا بدون عوامل التعرية التي قضت على كل شيء، بأن أقتسم حصة من نفسي لنفسي الطبيعية التي فطرت عليها، أن أعود لفتح فاهي وكأن كل شيء حدث لأول مرة ليس لأنني فقدت عقلي بل لأن روحي مجنونة شقية مستكشفة للجديد كالأطفال، لذا عقدت العزم على أن أصادق تلك الروح قبل أن تشيخ مبكرا، وأن استرجع حاسة الاستكشاف العجيبة التي قد تساعدني على تجديد الكولاجين في خلايا الروح الجديدة.

تعلم كيف لا تكتفي بنفسك؟


خلقت الروح مرتبطة بروح أخرى، فوضع الله سنن كونية ليتعايش الجميع مع بعضهم البعض ويتكاتفون من أجل مصلحة إعمار هذه الأرض، فمنذ أن خلقوا وهم في سير واحد، يأخذ أحدهم ويعطي الآخر حتى تكتسب ثقة الإنسان بالإنسان ويكوّنون علاقات مع بعضهم البعض أيا يكن نوعها، فينهض الجميع بالجميع، تلك هي الفطرة الإنسانية، فمن احتياجات الإنسان الأساسية في هرم ماسلو الانتماء لمجموعة لذا يولد الفرد في أسرة وينتمي لها ومن ثم يتوسع وينتمي لمدرسته، للجيران، للأقرباء، والأصدقاء، وأخيرا لعالم الغرباء، ومن هنا تنطلق تجاربه الحقيقية في الحياة الجيدة والسيئة، ويتولد مع تكرار الخبرات والخيبات مفهوم العزلة وعدم الاهتمام لكلام الآخرين ومغالطات منطقية مثل “من يحبك لن ينتقدك” والاكتفاء بالذات وتحقيقها سعادة وغيرها من الاعتقادات الخاطئة ، وبات الأمر رصيد نفعي وقوة لك لأنك ناضج نتيجة مرورك بتجربة سيئة وتعميمك مثل هذه الأفكار، حتى وإن لم تتخذ مسؤولية في تخطيها ومعرفة الخلل والمضي لما بعدها.
إن حديث الآخرين وانتقاداتهم وأفكارهم غير المحببة إلينا هي جزء من ذواتنا وتصرفاتنا التي نبغضها في دواخلنا، ولكننا لا نملك الجرأة على التصريح بها لأنفسنا، فهي ثقيلة على أرواحنا، فبدلا من ذلك نوجه بأصابع الاتهام على الآخرين، ولذا لم ينجو أحد من لسان أحد، ولن ينجو إلا إن تسلح بالقوة الداخلية التي لا تجعله يغلق كل العلاقات ولا يفتحها على مصراعيها في الوقت نفسه.
نحن البشر لم نخلق وحيدون ولذا وجود الآخر ضرورة، والتنوع في الأفكار والاختيارات والاتجاهات من صالحنا، فلولا تقلب الليل والنهار لاختل توازن الإنسان ولانقلب كل اتزان في الكون يظهر لنا أنه طبيعي، بينما هو نعمة منّ الله بها على الإنسان، فكل شيء مسخر لخدمته حتى أخوه الإنسان الآخر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته”، فهذا التسخير والتنوع هي فرصة للتعرف على ذاتك من خلال الآخر، فكما أنت تحتاج لمرآة لتهندم مظهرك، وكذا الروح تحتاج الآخر لتتعلم منه، وتستند إليه، وتكتسب منه الحسن، وتنبذ السيء، وتتعلم كيف تتعامل مع النفس المعقدة حتى تقف على أرض صلبة متساوية معها، تعيش وتتعايش، ترحم وتتراحم، توصل وتتواصل، تفهم وتتفاهم، وتعمر الأرض كما ينبغي لها أن تفعل، وهذه حكمة من حكم الخالق في سر بقاء الإنسان الوجود المجتمعي الذي يشعرك بالاطمئنان، فالتخلي عن الآخر هي بمثابة التخلي عن ذاتك، وإن أردت أن تتجرد أو اضطررت لذلك فتجرد من آلامك، وخيباتك، بمعالجتها والتعامل معها، وإن فسد الأمر كله لن تصلح حتى نفسك، لنقف مع أنفسنا حد الجوع، لا نكتفي منها بتاتا، ولنبني علاقات مبنية وراسخة ولنجرب فقد لانصل حد الاكتفاء، لكننا سنحصل على أقل الخسائر من وصد الباب تماما.

طبيب القلوب

تربط الخيل علاقة وطيدة بالإنسان منذ القدم فقد كانت وسيلة تنقله ومصدر رزقه ثم تحولت وأصبحت رياضة يهواها الجميع تقام من أجلها المسابقات و الجوائز القيمة، وبعد ذلك تطورت وباتت أحد وسائل العلاج المستخدمة حديثا في علاج أمراض التصلب المتعدد والعظام والمفاصل بالإضافة إلى أمراض التوحد والشلل وفرط الحركة وتشتت الانتباه، أما اليوم ومع انتشار الأمراض النفسية والجسدية غدت أحد أساليب الدعم والتعافي للمرضى وخاصة من يعاني من الوحدة من كبار السن المصابين بالزهايمر، فالتواصل مع الخيول يعيد إليهم جزءًا من ذاكرتهم التي فقدوها ويساعدهم على التعافي، كالخيل “payo” والذي يسمى بالخيل المعجزة أو كما يطلق عليه طبيب القلوب الذي يزور مرضى الزهايمر في المستشفيات، وينصت لهم بعناية، ويتفاعل معهم، ويواسيهم، ويطمئن عليهم كصديق يزور صديقه، يقول عنه صاحبه أنه “يملك الحاسة السادسة”، فهو يتعاطف وكأنه صديق فعلي حاضر بكل جوارحه، ولا يزور مرضى الزهايمر فقط بل أيضا أطفال السرطان ومرضى القلب ولقد لوحظ على الأطفال التحسن في النوم والشهية والمزاج والنفسية بعد زيارتهم له والتفاعل معهم.

إن اللغة الخاصة التي يتواصل بها الخيل مع المرضى بمعرفة ما يشعرون به تماما، ساهمت في التخفيف من حدة المرض المزمن، والوحشة التي يشعرون بها على أسرتهم البيضاء بالإضافة إلى بث الحياة والأمل في نفوسهم، ولقد أثبتت أحد الدراسات أن الخيول تقرأ تعابير البشر وتتأثر بها، ومن التجربة الواقعية فإن الخيل تشبه الإنسان في طريقة تعبيرها عن مشاعرها فعندما تخاف تتخذ لها زاوية تحميها وتراقب وتشعر بأدنى حركة، وعندما تثور وتغضب ترفس وتتحرك بعشوائية وتتصرف بعدوانية، أما الوفاء فهي سمتها التي لا يختلف عليها اثنان البتة، فالخيل كائن طيب وأليف وهو من أكثر الحيوانات رقة وحساسية، يمتلك رهافة الحس وفطنة وذكاء، يتأثر بالمعاملة الطيبة، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، وطريقة الاقتراب منه، والبعد عنه ويبادل من يعامله ذات المشاعر والأحاسيس.

إن العلاج بالخيل ” hippotherapy” عليه ألا يقتصر على الجانب الجسدي فقط فالروح تعطب كما الجسد والوثاق الذي بين الخيل والإنسان على مر العصور يجعلنا ندرك أهمية مد وإعادة جسور التواصل، وتوثيق عرى الصداقة مابينهما، وخاصة للأطفال وكبار السن ومن يبحثون عن التعافي، فالنفس عندما تكون في أحلك لحظات ضعفها تنهض بالدعم الذي تتلقاه من الأصدقاء والأحبة، فإن لم تجد فلم لا يكون ذلك الصديق هو الخيل !

23/10/2020

المصادر:

https://www.google.com/amp/s/www.leparisien.fr/amp/societe/peyo-le-cheval-therapeute-soigne-des-malades-d-alzheimer-28-02-2018-7582641.php

https://www.infirmiers.com/actualites/actualites/edito-peyo-cheval-parle-oreilles-patients.html

https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S2387020618305187

ميعاد أثيل

ما الفرق بين التفاحة الصفراء والحمراء؟
ما الفرق بين الدب والزرافة؟
ما الفرق بين السيارة والطائرة؟
جميع كل تلك الأسئلة تطرح في كتاب ألغاز الثقافة أو المسابقات التي كنا نتسابق للإجابة عليها ونحن صغارا، إما للحصول على الجائزة أو لأنها ستضيف لرصيدنا معلومة تميزنا عن غيرنا.
ولذا دوما كنت السباقة في اقتناص كل شيء جديد، والتعرف عليه، وإن عجزت عن إيجاد الإجابة فإن عقلي يبحث عن صلات منطقية، وما إن كبرت ووجدت صلة معينة حتى ارتكزت جميعها في ذهني، وكونت شخصيتي المعرفية، وكان دوما يطلق علي الفيلسوف المنطقية التي تنال على إعجاب الجميع، وهذا ما كان يشعرني بالقبول لدى الآخرين، فلدي ذخيرة من الأسلحة المعرفية التي أحارب بها تحديات الحياة، وأرشدهم إلى بعضها في الوقت الذي يحتاجون فيه إليها دون سعيهم لجهد يعجزهم عن الوصول السريع لما يريدونه، ولم يكن ذلك ليثنيني عن مواصلة نشر ما أتعلمه، بل على العكس كان ذلك حافزا لمزيد من البحث للإجابة عن الأسئلة التي أتلقاها، فأجد في كل مرة نفسي أتذوق من طبق مختلف مرة بطعم الحامض وأخرى بطعم الأناناس والثالثة بالفراولة والرابعة بالكاكا مذاقات متنوعة لا يستطيع أحد تخيلها إلا من غاص في هذا الحقل المتنوع، وكنت أرى الغبطة على وجوه الآخرين، فالمتعة التي كنت أشعر بها مثل اللعب في دولاب الهواء المخيف! فأنت لا تعلم هل يتوجب عليك معرفة كل شيء أم أن معرفة كل شيء سيجلب لك المتاعب؟
فبات يقلقني هذا الأمر، وفي كل معرفة جديدة، أصبح يرافقه التريث شيئا فشيئا، مما أثر على الكم الهائل من المعلومات الذي يتجدد كل يوم ولا أواكب إلا القليل منه، فأنا أبحث عن الكيف لا الكم ذلك كان شعاري المعهود، ولكني كنت أشعر بالإحباط من نفسي، ولم يكن ذلك كافيا، حينما تكون في منزلة وتنزل إلى أقل منها سينتابك الشعور ذاته، وهو شعور بغيض، لأنه ينسف كل ما تفعله، ببساطة لأنك لم تجرب كل شيء ولم تطلع على كل شيء، وليثبت لك العكس عليك أن تدخل في تجربة حقيقية ملموسة لتبرهن لك ذلك وهذا ماحدث معي تماما.
خضت مع الحياة تجربة انتقلت من أنها مجرد تجربة إلى تحدي يصعب تحديه، فالحديث عن الأمر والمعارف التي استقيتها من ذلك التحدي كانت وكأنها الأساس الذي أعادت اهتزاز الجبل الذي بنيته منذ سنوات، لم تكن سهلة أبدا ولكن بطل حكايتها كان المعرفة، في ذلك الوقت فقط تيقنت أن الزرع الذي سقيته لسنوات لم يكن عاديا، وحتى ثمره الذي قللت من شأنه، فإنني اليوم أقطفه في ميعاده الذي حدد له تماما، التميز والاختلاف الذي كنت أسعى له، أتاني راكضا في ذلك التحدي الكبير بعد أن كنت أتسابق إليه، ولكن هذه المرة على هيئة مختلفة، وأدركت فعلا ماذا يعني أن المعرفة ذخيرة المستقبل، لأننا في لحظات معينة نفقد كل شيء ولا يتبقى لنا إلا تلك الذخيرة التي لا نستطيع إدراك وجودها الملح جدا إلا بعد أن ندرك أنها الحظ السعيد الذي جنبنا الكثير من الأخطاء والمتاعب، وأنقذنا في كثير من الأحيان، وساعدنا في أحيان أخرى، وهذا مايزيد يقيننا في أن التفاحة الصفراء فعلا لم تكن عبثا صفراء!